منتديات صفــّين

منـتـديـات صــفـّـيــن
للتعريف بفكر أهل البيت عليهم السلام

منتديات شيعة أهل البيت(ع) في المنطقة الشرقية السورية

نرحب بكم ونتمنى لكم مشاركة طيبة معنا
بادروا بالتسجيل والمشاركة


    الإصطفاء والكتاب في ذرية ابراهيم عليه السلام

    شاطر
    avatar
    حيدرة

    عضو نشيط


    عضو نشيط

    تاريخ التسجيل : 23/12/2009
    عدد المساهمات : 113

    الإصطفاء والكتاب في ذرية ابراهيم عليه السلام

    مُساهمة من طرف حيدرة في 02.04.10 17:44

    البسملة

    الاصطفاء والكتاب في ذرية إبراهيم عليه السلام



    لم يتمّ التأكيد على أمر في الدين بقدر ما تمّ التأكيد على الإمامة؛ والسرّ في ذلك أنّ الإمامة هي ضمان حفظ الدين كلّه، وهي مسار الهداية الذي يؤمّن إخراج الناس من الظلمات إلى النور..

    وبسبب مستوى أهمِّيّة هذه الموضوع؛ أكّد القرآن الكريم على موقع الإمامة والأئمّة في الكثير من الآيات القُرآنية، سواء كان ذلك فيما يرتبط بالأمَم السابقة، أو فيما يرتبط بالأمّة الإسلاميّة.

    ونحن في هذا الموضوع نريد أن نتطرّق إلى بعض الآيات القُرآنية الّتي تحدّثت عن الإمامة والأئمّة منطلقين في ذلك من (الاصطفاء والكتاب في ذرية إبراهيم عليه السلام) ، على أمل أن نواصل هذا الموضوع في حلقات أخرى عبر مُنطلقات أخرى إن شاء الله تعالى. علماً أنّنا نتوخّى الاختصار والإشارة، ونعوِّل على نباهة القارئ اللبيب الذي يستطيع استشفاف بقية المسار عبر وميض خافت تُذكيه انطلاقتنا الضئيلة جداً قياساً إلى عظمة الموضوع الذي يتناوله هذا البحث.

    ولنبدأ على بركة الله.

    قال الله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124)

    فإبراهيم ـ عليه السلام ـ دعا الله أن يجعل الإمامة في ذُرِّيّته.

    وقال تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 128) .

    فإبراهيم ـ عليه السلام ـ دعاء الله أيضاً أن تكون هناك أمةٌ مسلمة لله تعالى من ذريته.

    أي أن إبراهيم طلب من الله تعالى الإسلامَ والإمامةَ في ذريته.. فهل استجاب الله له دعاءه؟

    قال تعالى: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف: 28) .

    أي أن الله تعالى جعل التوحيد والإخلاص في ذرية إبراهيم عليه السلام، وهذا ما يؤكد بقاء التوحيد في آباء وأجداد رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأنهم ذرية إبراهيم، وليس كما يتصوّر بعض الخاطئين من أنَّ آباء النبي كانوا كُفّاراً والعياذ بالله تعالى. هذا في خصوص الإسلام وبقائه في ذرية إبراهيم عليه السلام.

    وأمَّا الإمامة في ذرية إبراهيم عليه السلام، فقد قال الله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (العنكبوت: 27) .

    وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد: 26) .

    فالله تعالى جعل النبوة والكتاب في ذرية إبراهيم عليه السلام، وذلك بعد استثناء الظالمين منهم كما تفيد الآية 124 من سورة البقرة.

    وقد علمنا بالضرورة أنَّ النبوة انقطعت بختمها برسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن ماذا بالنسبة إلى الكتاب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟


    قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر: 32) .

    ومن هنا نعرف أن كتاب الله أصبح ميراثاً إلهياً، أي موهبة إلهية اختصّ بها الذين اصطفاهم الله من ذُرّيّة إبراهيم عليه السلام، وهم الذين عبَّر عنهم القرآن الكريم بقوله:

    (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)، وأمَّا الذين قال عنهم (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) فهؤلاء قد استثناهم الله تعالى من قبل، كما قرأنا في الآية 124 من سورة البقرة، ولا بد أنَّ سبب ظلمهم هو عدم التزامهم بسبيل أهل الاصطفاء، إذ لو اتبعوهم لهدوهم إلى نور الكتاب الذي ورثوه. وهذا يؤكد صحة الرواية التي جاءت من طريق أهل البيت والتي تقول إن الظالم لنفسه هو الذي لم يعرف إمام زمانه. وممَّا يؤكِّد ذلك أنَّنا نقرأ في الآية 113 من سورة الصافات: (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) (الصافات: 113) ، فهذه الآية أكَّدت على عنوان الظلم للنفس في ذُرّيّة إبراهيم عليه السلام، ولكنها أضافت فائدة بقيد (مبين)، وهو وصف يدل على أنَّ الظلم الذي تتحدَّث عنه الآيات الكريمة في ذُرّيّة إبراهيم هو ظلمٌ مُبين، أي واضح غير ملتبس أو خاف، فهذا يؤكِّد أنَّ الظلم فيهم يرتبط بالاستقامة على صراط ولاية المصطفَيْن، لأنَّ الانحراف عن ولاية أهل الاصطفاء ممَّا يسهل اكتشافُه، فليس ظلماً فيما يرتبط بالمعاصي التي يمكن أن يرتكبها الإنسان على مستوى سيرته الذاتية مما يمكن أن يكون باطناً غير ظاهر ومُبين.

    وأمّا وصف الإحسان فهو حكاية عن مستوى عال من الإيمان كما يُفهم بوضوح من العديد من الآيات التي ذُكر فيها الإحسان، ولذا هو في هذه الآية يشمل طرازين من ذرية إبراهيم، الأول: السابق بالخيرات، والثاني: المقتصد.

    وأمّا الذين عبّر عنهم اللهُ بقوله: (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)، فإما أن نقول بأنه بمعنى الذي لم يبلغ الرشد الذي تميّز به أهل الاصطفاء، كما أنه لم يسقط إلى درك الظالمين لأنفسهم، وهذا يعني أنه من التابعين للمصطفين.

    وإمّا أن نقول بأن المقتصد هو الذي يلتزم القصد، أي يتجه في الطريق والسبيل المرسوم له، وهذه أيضاً إشارة إلى التزام هذا القسم بالتبعيّة لأهل الاصطفاء.

    وهو ما يؤكد صحة ما روي عن أهل البيت من أن المقتصد هو العارف بإمام زمانه.

    وبذا تعلم السر في التعبير عن المقتصد بالمحسن في الآية 113 من الصافات، فإنَّ الإحسان في هذا الطراز هو بسبب إذعانهم لولاية أهل الاصطفاء الذين ورثوا الكتاب. ولعمري إنه شرف عظيمٌ شرّف الله به أهل الولاية؛ حيث ضمّهم مع أهل الاصطفاء تحت عنوان واحد في آية الصافات.

    فقد عرفنا أنَّ هناك أناساً اصطفاهم الله، أي اختارهم واجتباهم، هم من ذرية إبراهيم عليه السلام، فأورثهم الكتاب.
    ونتساءل: ماذا عن الإمامة التي سألها إبراهيم أن تكون في ذريته؟

    الجواب: قد عرفنا انقطاع النبوة، كما عرفنا بقاء الكتاب في ذرية إبراهيم من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وبقاء الكتاب دليل على أنّ المصطفَين هم الأئمّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فانفصال النبوة عن الكتاب بعد رسول الله لا يستلزم انفصال الإمامة عن الكتاب.

    وقد خاطب الله تعالى هؤلاء المصطفين فقال:

    (...يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً...)
    (البقرة: 142 ـ 143) .

    فالآية تقول إنَّ المخاطبينَ هم بمثابة الصراط المستقيم، ولذا تم الربط بـ (كذلك) ليكون المعنى: أنَّ الله جعلكم أمَّةً وسطاً بمنزلة الصراط المستقيم الذي يهدي إليه الله من يشاء. ويجدر بنا الانتباه إلى الاتحاد في المعنى بين (الصراط المستقيم) و(الوسط)، فإن السبيل الوسط هو المستقيم دون ما عداه من السبُل.

    ويؤكِّد لك صحّة هذا الفهم للأمة الوسط ـ بعد ملاحظة موقع (وكذلك) والاتحاد بين الاستقامة والوسطية ـ أنَّ هذه الآيات أشبه شيء بالجواب الإلهي لدعاء إبراهيم عليه السلام؛ لأنَّ الله تعالى حكى قبل هذه الآية بقليل أنَّ إبراهيم إسماعيل دعوا الله تعالى قائلين:

    (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
    (البقرة: 128) ، وهي الآية التي افتتحنا بها التساؤل،

    فأجاب الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...) .

    وممّا يؤكد هذا الفهم أيضاً: أنَّ الآية جعلت هؤلاء العظماء شهداء على الناس، ومقام الشهادة هو المقام التالي لمقام الأنبياء في قوله تعالى: (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الزمر: 69) ، فيظهر أنّ لهؤلاء الشهداء في موقف القيامة دوراً في حساب الناس نظراً إلى أنهم يُحضرون أوّلاً مع الأنبياء عليهم السلام، هذا ما يربط هذا المضمون بشهادة الأمّة الوسط، مع أنّه لا ينبغي توهّم أن يكون للأمّة الإسلامية (بالمعنى العام) مقام الشهادة على الأُمَم الأخرى؛ كيف وهذه الأمّة فيها ما فيها من أهل المعاصي، وحسبهم أنّه قد رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله أخبر بكون معظم أقسام الأمّة في النار، وذلك في حديث افتراق الأمّة إلى نيف وسبعين فرقة؛ فلا بدَّ من التفريق بين المعنى المقصود بالأمّة في الآية التي نحن بصددها، وبين الأمّة في المعنى العام.

    وقد تصوّر بعض المفسِّرين، كالطبري في تفسيره، أنّ الأمّة الإسلامية ستشهد بتبليغ أنبياء الله السابقين حين تُنكر أُمَمُهم يوم القيامة، وهو كلام واضح البطلان؛ إذ ما هو الداعي لإعطاء أهل المعاصي هذا المقام؟ ثم كيف تدلي الأمّة الإسلامية بشهادة على أمر لم تشهده؟! فإن قيل ـ وقد قيل ـ : إنهم يشهدون بمعنى التصديق بما جاء به خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله، وهو يتضمن تبليغ الأنبياء السابقين، قلنا: هذا تحصيل حاصل؛ لأنهم رووا ـ كما في تفسير الطبري ـ أنّ الأُمَم ليست كلّها كافرةً مُنكرة، بل فيها المصدِّق وفيها المكذِّب، فإذ حصل التصديق من أُمّة نفس النبي السابق، وهو تصديق مع شهادة حسية، فما الحاجة إلى شهادة الأُمّة الإسلاميّة؟!

    أضف إلى ذلك أنّ تفسير (الشهادة) بـ (مُجرّد التصديق) هو نوع من التصرّف والتأويل بغير مُوجب ودليل.

    بل الصحيح أنّ الشهادة مقامٌ المخلَصين الذين ورثوا الكتاب من ذرية إبراهيم بعد رسول الله صلى الله عليه، وخير دليل عليه قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...) (التوبة: 105) فإن الآية تخاطب جميع المكلفين وفي مقدِّمتهم: الأمّة الإسلاميّة، فمن ذلك يتّضح أنّ الذين يرون، هم طراز خاص من المؤمنين، بل لا يزعم مقامَ الرؤية غيرُ المصطفين؛ للفرق بين النظر والرؤية، فإنه لا يرى العمل إلا من له اطلاع على باطنه كما له اطلاع على ظاهره، وأمّا من ينظر فلا يرى إلا الحركات والسكنات، فهذا لا يرى العمل حقيقة، بل لا يرى إلا القسم الأضعف منه، فكيف يصح له أن يشهد، بل كيف يصح له أن يُسمّي نظره رؤيةً.

    وهذه الرؤية التي تمّ ذكرُها في سورة التوبة هي التي تصلح أن تكون تمهيداً للشهادة يوم القيامة.

    وممَّا يُوضِّح الصورة أن نلاحظ آية أخرى في مُنتهى الصراحة، وهي قوله تعالى:

    (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج: 78) .


    فإنّ هذه الآية كأنّها تلك الآية (البقرة 143) ، ولكن مع بيان آخر يرتفع معه اللبس، فقد اشتملت هذه الآية المباركة على التعبير بالاجتباء، والاجتباء هو الاختيار والاصطفاء، وهذا لا يكون إلاَّ لمرتبة من القرب لهؤلاء العظماء، وهذا يحقِّق ارتباطاً وثيقاً بين مفهوم الأمّة الوسط وقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا...) (فاطر: 32) ، فالكلام ليس عن أناس عاديين، بل هم مُصطفَون مُجتبَون..

    ثمَّ إنه تعالى قال: (ملّة أبيكم إبراهيم)، ومن المعلوم أنَّ الأمَّة الإسلامية ليست جميعها منتميةً إلى إبراهيم بالنسب، وينبغي أن لا تغفل عن تجاوز الطبري في تفسيره لهذه النقطة وعدم بيانه لها، كما فعل ابن كثير أيضاً، وحاول ابن عاشور في تفسيره أن يحلّ هذه الإشكالية بحمل ذلك على الأغلب، أو التأويل بالحمل على معنى اعتباري للأبوة..! نقول: حمله على الأغلب دعوى تفتقر إلى دليل على كون أغلب المسلمين في زمن النزول كانوا منتسبين إلى إبراهيم عليه السلام، على أنه يستلزم حصر الآية لجيل خاص من المسلمين يغلب فيهم المنتسبون إلى إبراهيم عليه السلام، وهذا لازم باطل. وأمّا التأويل فهو أيضاً بغير مقتض بعد وجود وجه آخر للتفسير، وهو الذي نقوله من حمل الآية على خصوص المصطفين من ذُرّيّة إبراهيم الذين ورثوا الكتاب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

    وممّا ذُكر يتّضح أنّ قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104) ، المراد من الأمّة فيه: أولئك المصطفون من ذُرّية إبراهيم؛ لأنّه عبّر عنهم بالأمَّة، وهو نفس التعبير الذي تكرّر في التعبير عن ورثة الكتاب من ذُرّيّة إبراهيم عليه السلام، ثم إنّه قد يُفهم من الآية أنّه لم يجعلْ جميعَ المسلمين مُكلّفين بهذه المهمّة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، ولمّا كان هذا التكليف عامّاً لجميع المسلمين بغير استثناء على وجه الكفاية، فإنّ ذلك يعني أنّ الآية ليست بصدد التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل بصدد التنصيص على أناس مخصوصين من هذه الأمّة يمثلون طرازاً سامياً في أدائهم لمهمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويمكننا أن نُدرك السرّ في هذه الاختصاص بالمقارنة بين هذه الآية وما تقدّم بيانُه؛ فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكتسب قيمته بقدر ما يتحقّق في الآمر الناهي مِن علم وحكمة، فلا بدّ أن يكون هذا الطراز السامي من الأمّة هم ورثة كتاب الله تعالى بعد النبي صلى الله عليه وآله؛ فإنه لا ريب أنّ من يكون عنده علمُ الكتاب فإنه يكون أوفر العباد حظّاً في مجال الدعوة إلى الله تعالى.

    وبهذا يثبت لنا بوضوح قرآني شريف أنّ الإمامةَ بعد النبي (صلى الله عليه وآله) استمرّت في ذريته التي هي ذرية إبراهيم عليه السلام، وتمثّلتْ مُقوّمات هذه الإمامة في وراثة الكتاب، ومقام الرؤية لأعمال العباد ثم الشهادة عليهم بذلك، وترتب على ذلك أن يتميّز هؤلاء الخاصة من ذرية إبراهيم بعد النبي بطراز سامٍ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عبارة أخرى عن إمامتهم على مستوى التنفيذ.. كل ذلك لم يكن بغير حكمة وسبب، بل ابتنى ذلك على أساس مرتبة الاصطفاء والاجتباء لهؤلاء الأئمّة، ولا ريب أنّ الله لا يصطفي عبثاً وبغير أساس يبرّر اصطفاءه واجتباءه؛ ممّا يدلِّل على أنّ لهؤلاء المصطفَين استحقاقاً عند الباري تعالى في ضوء تميّزهم في مجال السبق والاستقامة.

    هذه خلاصة ترتبط بالإمامة والأئمة في القرآن الكريم، انطلقنا فيها من قاعدة الاصطفاء ووراثة الكتاب في ذرية إبراهيم.. وهناك منطلقات وأُسُس قرآنية أخرى صريحة وواضحة يمكننا الاستناد إليها في تبيين موقع هؤلاء المصطفين وإمامتهم في القرآن الكريم.

    ...فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ.

    والله ولي التوفيق.

    والحمد لله ربّ العالمين.

    منقول


    ------––––•(-• (الــتـــوقــيــع ) •-)•––––------


    avatar
    المرتضى

    الإدارة


    الإدارة

    ذكر
    تاريخ التسجيل : 15/02/2010
    عدد المساهمات : 108
    العمر : 61

    رد: الإصطفاء والكتاب في ذرية ابراهيم عليه السلام

    مُساهمة من طرف المرتضى في 06.04.10 1:55

    بارك الله بكم وجزاكم خير الجزاء وجعلها في صحائف حسناتكم


    ------––––•(-• (الــتـــوقــيــع ) •-)•––––------


    لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار

      الوقت/التاريخ الآن هو 19.08.17 20:52