منتديات صفــّين

منـتـديـات صــفـّـيــن
للتعريف بفكر أهل البيت عليهم السلام

منتديات شيعة أهل البيت(ع) في المنطقة الشرقية السورية

نرحب بكم ونتمنى لكم مشاركة طيبة معنا
بادروا بالتسجيل والمشاركة


    وعي التاريخ

    شاطر
    avatar
    المرتضى

    الإدارة


    الإدارة

    ذكر
    تاريخ التسجيل : 15/02/2010
    عدد المساهمات : 108
    العمر : 62

    وعي التاريخ

    مُساهمة من طرف المرتضى في 14.03.10 2:58

    وعي التّاريخ
    من المؤكّد أن الإنسان العربي الجاهلي - قبيل الاسلام - كان يعوزه الوعي التاريخي بالمعنى الّذي عرفته الشعوب المتحضرة ذات الثقافة المدوّنة، وذات المؤسّسات السياسيّة والإدارية الرّاسخة العريقة. هذا فضلاً عن أن يكون الوعي التاريخي بالمعنى الّذي عرفه إنسان العصور الحديثة قد وجد لدى الإنسان العربي الجاهلي قبيل الإسلام.


    وهذا الحكم ينطبق بوجه خاص على عرب الشّمال، وإن لم يكن عرب الجنوب - كما سنرى - أفضل حالاً منهم بكثير.


    فقد كان العربي الجاهلي - قبيل الاسلام - يعيش حياة البداوة بما يلزمها من تنقل وارتحال طلباً للكلأ وللماء، ومن ثم لم يكن لدى العربي مؤسسات ثابتة، ونظم سياسية وإدارية.


    وكانت الأمّية غالبة على هذا المجتمع، ومن ثم فلم يُنشئ ثقافة مدوّنة بأيّ نحو من الأنحاء إلا نقوشاً نادرة لا تبلغ أن تكون ثقافة مدوّنة تسهم في تكوين الشخصية الثقافية للإنسان - لا نستثني من ذلك عرب الجنوب الّذين كانوا قد فقدوا قبيل الإسلام - بانهيار نظام الرّي عندهم - الكثير من سماتهم كشعب متحضر له ماضٍ عريق، وغدوا أقرب إلى البداوة والأميّة.


    وكانت الحياة من البساطة والسذاجة بحيث أن أحداثها البارزة كانت نادرة جداً، ومحدودة المدى جغرافياً وبشرياً، وهذه الأحداث هي الّتي شكّلت مادة ما يسمى «أيام العرب» الّتي سنعرض للحديث عنها بعد قليل.


    كما لم يكن لدى العربي الجاهلي شعور بالزمن المستمر كمفهوم حضاري، كان


    الزمن عنده مجرّد تعاقب للظواهر الفلكية والفصول. ومن المعلوم أنّه لم يكن لدى العربي الجاهلي تقويم.


    ونتيجة لكل هذه العوامل لم تتكوّن لدى العربي أية خبرات تاريخية ماضية ذات شأن، ناشئة من وقوع الأحداث نفسها من ناحية والشعور بها من ناحية أخرى - لا أحداث مشتتة غير مترابطة - بل في نطاق نظام للتعاقب الزّمني وللعلاقات الداخلية فيما بينها.


    وبعبارة أخرى: لم يكن لدى العربي الجاهلي شعور بأستمرار الأحداث وديمومتها، وتفاعلها الداخلي، وعلاقاتها بحاضره، وإمكانات تأثيرها في المستقبل على النحو الذي يصح أن يسمّى وعياً تاريخياً. لقد كان وعي الماضي على هذا النحو لدى العربي الجاهلي قبيل الإسلام معدوماً.


    نعم، لقد كان ثمّة وميض من الشّعور بالماضي لدى العربي الجاهلي.


    كانت الذّاكرة تحمل صوراً غامضة، هلاميّة الشّكل ومشوّهة لهذا الماضي ناشئة من القصص الّتي كانت تسمّى «الأيام»، ومن العناية بالأنساب. لقد كانت «الأيام» والأنساب كما «البعد التّاريخي» للإنسان العربي.


    إنّ هذا الوميض من الشّعور بالماضي لا يرقى، بالتأكيد، إلى أن يكون وعياً تاريخياً بالمعنى الّذي نفهمه الآن.


    فقصص الأيام نادراً ما تملئها الأحداث الكبرى ذات الشّأن السّياسي والإنساني وهو ما يعطي التاريخ حقيقته ومعناه. وغالب أحداثها يتكوّن من معارك صغيرة بين مجموعات قبلية، ويعطيها الخيال الشعري والنصوص الشعرية المرافقة لها وهجاً وحجماً غير واقعيين.


    كما أنّها تفقد عنصر الترابط فيما بينها، ولا تأخذ في جميع الأحوال بنظر الاعتبار عنصر السببيّة، ولا تقوم بينها علاقات داخليّة.


    وهي خالية من عنصر الزمن، وخلوّها من عنصر الزمن ليس ناشئاً من إهمال، بل ناشئ من عدم إدراك العربي الجاهلي لعامل الزمن التاريخي كما أشرنا آنفاً.


    وكانت قصص الأيام في حلقات السّمر الّتي تعقد أمام الأخبية والخيام للتسلية والمتعة، وللمفاخرة في بعض الحالات. ولم تكن تتداول كمادة علمية. والرأي الراجح أنها لم تدوّن على الإطلاق.


    والأنساب وإن كانت تدلّ على شعور بالماضي من خلال وعي الإنتماء إلى الآباء الّذين تشتمل على ذكرهم شجرة النسب القبلية، إلا أنّ علمنا بأنّ شجرات الأنساب كانت تقتصر على مجرّد ذكر الأسماء فقط دون أن تحتوي على أية مادة تاريخية، علمنا بهذا الوضع لشجرات الأنساب التي كانت تتداول عن طريق الرّوايات الشّفوية يجعل قيمتها كمصدر لتكوين الوعي التاريخي معدومة.


    ومن المؤكدّ أنّ شجرات الأنساب في العصر الجاهلي لم تعرف أيّ شكل من أشكال التدوين ليتيح فرصة إضافة مادّة تاريخيّة إليها. ولم تدوّن شجرات الأنساب في كتب إِلا في عصر إسلامي متأخّر نسبيّاً.


    ويظهر لنا هذا الوميض من الشعور بالماضي لدى العربي الجاهلي في الشعور الّذي يصور مواقف أخلاقية للشاعر في مجالات الحرب، والكرم، والوفاء، وما إلى ذلك، حيث تدفع الشاعر خشيته من (أحاديث الغد) الّتي تعكس مسلكية غير نبيلة إلى أن يجعل سلوكه منسجماً مع قيم النبالة كما تقضي بها أخلاقيات المجتمع الجاهلي فيكون وفياً، وشجاعاً حتى الموت، وكريماً...


    هذا الشعور يمكن أن يكون نواة للوعي التاريخي، ولكنّه لا يرقى، بطبيعة الحال، إلى أن يكون وعياً تاريخياً بالمعنى الّذي حدّدناه آنفاً. إنّه وعي ناشئ عن قيم أخلاقية بدوية الطابع، وليس عن وجود تاريخ يستوعبه الشعور والوجدان، وهو مقصور على حالات فردية لم تبلغ أن تكون وعياً عاماً. وهو شعور بالخشية من تصرّف شخصي أو موقف شخصي قد يدفع الآخرين إلى إدانته، وليس شعوراً بإنجازات الآخرين وتفاعلاً معها.

    *

    كان هذا حال العربي الجاهلي



    ولكن الحال تغيّر بعد ظهور الإسلام تغيّراً كاملاً.


    إنّ القرآن الكريم والسّنّة الشريفة قد كشفا للعربي تدريجاً عن عمقه في الزمان باعتباره مسلماً. وغدا القرآن والسّنّة يغذيان على مهل وعي المسلم بعمقه التاريخي من خلال القصص الّتي تؤرخ للأمم الماضية، وأنبيائها، ومواقفها منهم باعتبارهم أنبياء، وحالات ازدهارها، وانحطاطها، وفنائها.


    ومن خلال هذا الوعي أدرك المسلم أنّه بإسلامه، وجهاده اليومي - بالسيف والكلمة - في داخل الجماعة الإسلامية الّتي تبني نفسها بعين اللّه وعلى يد رسول اللّه، وفي مواجهة المشركين... أدرك بوضوح كامل أنّه بعمله اليومي هذا يصنع تاريخاً موصولاً بما وعاه من تاريخ الأمم الماضية كما تعلّمه من الكتاب والسنة. وهكذا وجد الوعي التاريخ لدى الإنسان المسلم.

    *

    وللتّاريخ وظيفة تتعدى شعورنا بالإستمرار والديمومة. وهذه الوظيفة تربوية أخلاقية. لا يعني هذا أنّ التاريخ يتحوّل إلى مادّة وعظية فقط، فإنّ البحث والنقد غرضان من أغراض التاريخ بلا شك، ولكن الوظيفة النهائية بعدهما هي، كما قلنا، تربوية أخلاقية.


    وهذه الوظيفة تستمدّ معالمها وطبيعتها من طبيعة النهج الّذي تسلكه الأمة في بناء نفسها، ومن طبيعة الدور الّذي تعد نفسها للقيام به في محيطها الإقليمي أو على المستوى العالمي، ولذا نرى أنّ كلّ أمّة ذات نهج فكري مميّز لشخصيتها تجعل التاريخ مادة بانية لهذا النهج الّذي ارتضته.


    وهذا لا يعني - بطبيعة الحال - أن يحرّف التاريخ ليكون أداة دعائية وسياسيّة. إنّ الأمانة للحقيقة يجب أن تكون دائماً مرعيّة، وإنّما يعني أنّ التاريخ ليس مادة ترف فكري وتسلية. إنّه مادة شديدة الخطورة إذا تولّى استعمالها في الشأن العام رجال لا يقيمون للأخلاق وزناً ولا تحركهم روح رسالية، وأجهزة كذلك... رجال وأجهزة يحركهم التعصب والغرور القومي والعنصري... في هذه الحالة قد يوجّه التاريخ


    ليكون مبرّراً نظرياً وعاملاً نفسيّاً لدى الجماهير يخدم الطّغيان والإتجاهات العدوانيّة لدى السّياسيّين ورجال الحرب ضد أمة أخرى، وفي هذه الحالة يعرض التّاريخ للتّزوير والتّحريف.


    والتّاريخ حافل بأمثلة عن تسخير التاريخ لغايات غير أخلاقية وغير رسالية في العصور القديمة وفي العصر الحديث.


    وللتاريخ في الإسلام - انطلاقاً من هذا الفهم - وظيفة تتّصل بطبيعة الإنسان المسلم وطبيعة المجتمع الإسلامي.


    إنّ الإنسان المسلم إنسان أخلاقي يعتنق رسالة عالمية، والمجتمع الإسلامي مجتمع أخلاقي وذو رسالة عالمية.


    وإذن فالتاريخ ينبغي أن يخدم الرّسالية والأخلاقية في علاقات المسلم الداخلية والخارجية، كما ينبغي أن يخدم الرّسالة والرّوح الرّسالية في العالم.


    وكلّما حدث في سلوك المسلم أو سلوك الجماعة الإسلامية انحراف عن الأخلاقية أو انحراف عن الرّوح الرّسالية في ممارسة الحياة والتعامل مع الآخرين فإنّ التاريخ يستعمل، إلى جانب الوسائل التربوية الأخرى والتنظيمية لتصحيح النظرة الخاطئة، وتقويم مسار الفرد والمجتمع.


    والقرآن الكريم حافل بالشواهد على هذه الحقيقة نذكر منها شاهداً مميّزاً لأنّه يتضمن تعبيراً غدا مصطلحاً إسلامياً في الشّأن التاريخي، هو مصطلح «أيام اللّه» الّذي يعني الأحداث الكبرى في تاريخ كلّ أمّة سواء أكانت نجاحات كبرى وانتصارات باهرة أو نكبات عظمى وانهيارات مأساوية.


    وقد ورد هذا التعبير (أيام اللّه) في القرآن الكريم مرة واحدة فقط، ذلك في سياق الآيات الكريمة الّتي تضمنت بيان تربية وتوجيه نبيّ اللّه موسى بن عمران سلام اللّه عليه لبني إسرائيل وهدايتهم إلى الإيمان الصحيح، ورفع مستوى إدراكهم من حالة الجهالة والبدائية والماديّة إلى المستوى الإيماني - الحضاري. قال اللّه تعالى:


    «ولَقد أرسلنا مُوسى بِآياتِنَا أن أخرِج قومكَ مِن الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وذكِّرهُم بِأيَّامِ اللّه. إنَّ


    فِي ذلِك لآياتٍ لِكُلِّ صبَّارٍ شكُورٍ»1.


    وورد ذكر هذا المصطلح في نهج البلاغة في موضعين:


    أحدهما في كلام للإمام عند تلاوته قوله تعالى (يُسَبِّحُ لهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجال لا تُلهِيهِم تِجارَة ولا بيع عن ذِكرِ اللهِ...)2 قال في وصفهم:


    «... وما برحَ لِلهِ .. عِباد ناجاهُم3 فِي فِكرِهِم، وكلَّمهُم فِي ذاتِ عُقُولِهم، فاستصبحُوا: بِنُورِ يقظةٍ في الأبصارِ والأسماعِ والأفئدةِ، يُذكِّرُون بِأيَّامِ اللهِ، ويُخوِّفُون مقامه...»5.


    وثانيهما في كتاب له إلى عامله على مكّة قثم بن العبّاس6، قال فيه:


    «أمَّا بعدُ، فأَقِم لِلناسِ الحجَّ، وذكِّرهُم بِأيَّامِ اللهِ»7.

    *

    من هذا المنطلق، وعلى هذا الأساس كان الإمام عليه السّلام يتعامل في توجيهه الفكري، وفي وعظه، وفي تعليمه وتوجيهه السّياسي مع التاريخ، وكان يوجّه المسلمين إبى أن يعُوا التاريخ على هذا الأساس، وأن يتعاملوا مع التاريخ من هذا المنطلق الّذي يخدم الأخلاقية والرّسالية.


    ولعلّ الخطبة القاصعة8 أفضل مثال على طريقة تعامل الإمام علي مع التاريخ بهدف التربية وتقويم سلوك المجتمع أخلاقياً، وتوعيته بمسؤوليته الرّسالية، وسندرس في


    __________________________________


    1 . سورة إبراهيم (مكيّة - 14) الآية: 5.


    2 . سورة النّورة (مدنيّة - 24) الآية: 36 و37.


    3 . ناجاهم: خاطبهم بالإلهام.


    4 . استصبح: أضاء مصباحه.


    5 . نهج البلاغة: رقم النص 222.


    6 . قثم بن العباس بن عبد المطلب. كان من مساعدي الإمام علي (ع) في تجهيز رسول اللّه (ص) ودفنه، وهو آخر من خرج من القبر الشريف، ولاهُ أمير المؤمنين على مكة، فلم يزل والياً عليها إلى أن استشهد الإمام، واستشهد قثم بسمرقند، كان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية، وقبره في سمرقند مشهور. وقد زرناه أثناء مشاركتنا في المؤتمر الدّيني.


    7 . نهج البلاغة: (باب الكتب) رقم النص 67.


    8 . الخطبة القاصعة رقمها في نهج البلاغة: 192.



    فصل آتٍ جوانب من هذه الخطبة.


    ويمكن أن نكوّن فكرة مقاربة للحقيقة عن جهود الإمام الفكرية في حقل التوعية بالتاريخ إذا لاحظنا أن الكثير مما ورد في نهج البلاغة - وهو قليل من كثير من كلام الإمام وخطبه - إن لم يكن أكثر ما ورد في كلامه في النهج من المواد التالية (و. ع. ظ / ح. ذ. ر / ز. ج. ر / ع. ب. ر) ... كان الإمام قد خاطب به الناس في حالات شتّى وأزمان شتّى، موجهاً تفكيرهم نحو التاريخ بهدف التربية وتقويم السّلوك الفردي والإجتماعي في شؤون الحياة عامة من روحيّة واجتماعية وسياسيّة. ولا يختصّ ما رُوي عنه في هذا الشأن بالوعظ وحده كما ربما يتوهّم البعض.


    ومن أمثلة ما أشرنا إليه آنفاً قوله عليه السّلام في مواضع من نهج البلاغة:


    «وعظتم بمن كان قبلكم...» «... فاتعظوا عباد اللّه بالصبر النّوافع...» «... واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال، فتذكّروا في الخير والشرّ أحوالهم، واحذروا ان تكونوا أمثالهم» «... واتَّعِظّوا فِيها بِالّذِين قالُوا (من أشدُّ مِنّا قُوَّةً)»1.


    إلى أمثال هذه العبارات الّتي ورد كثير منها في خطبه وكتبه.


    فقد كان الامام يقاتل بكل سلاح نزعه الشرّ والإنحراف وتيّار الفتنة الّتي بدأت تجتاح المجتمع الإسلامي. وكانت توعية المجتمع بالتّاريخ أحد هذه الأسلحة.


    __________________________________


    1 . سورة فصّلت (مكّيّة - 41) الآية 15: فأمَّا عاد فاستكبرُوا فِي الأرضِ بِغيرِ الحقِّ وقالُوا: مَن أشدُّ مِنَّا قُوَّةً...».

    [b][center]


    ------––––•(-• (الــتـــوقــيــع ) •-)•––––------


    لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار
    avatar
    الفكر الحر

    المشرف العام


    المشرف العام

    ذكر
    تاريخ التسجيل : 15/02/2010
    عدد المساهمات : 61
    العمر : 38

    رد: وعي التاريخ

    مُساهمة من طرف الفكر الحر في 07.04.10 18:40


    وفقك الله يا مرتضى ......

    موضوع مهم ....

    ولكن للاسف التاريخ كان دائما مع المنتصر

    فهل سينصف التاريخ المظلومين ويبدا بتصحيح نفسه.....؟؟


    ------––––•(-• (الــتـــوقــيــع ) •-)•––––------



      الوقت/التاريخ الآن هو 12.12.17 12:34